الأربعاء، ١٧ ديسمبر ٢٠٠٨

عام جديد مع تأكيد تمسكنا بقيمنا

قيمنا - مقتبس من سلسلة التربية الرشيدة للدكتور عبد الكريم بكار

تشكل الأخلاق و القيم اللبنات الأساسية في حياة الأفراد و الأسر والشعوب ،وحين ترتقي أخلاق أسرة يتحسن مزاجها النفسي ،وحين تنهار أخلاق مجتمع ينهار مزاجه النفسي ،وتنهار معه حضارته على سبيل التدرج.

لدينا الأخلاق والقيم ،والقيم أوسع نطاقاً من الأخلاق ، يمكن القول :إن كل خلق قيمة ،وليس كل قيمة خلقاً ،فالمال قيمة مهمة ، وليست خلقاً ،والمنظر الجميل قيمة وليس خلقاً .القيم جمع قيمة وقيمة الشيء :قدره ووقعه على النفوس ،فالأشياء القيمة جداً يكون وقعها على النفوس كبيراً،وتثير أهتمام السواد الأعظم من الناس ،فالكرم والصدق والشجاعة والمال والتعاطف ..قيم عالمية كبرى،ومن النادر أن تجد من لا يهتم بها .

القيم في معظم الأحيان (حاجات )للأفراد ،ثم تصبح بعد ذاك حاجات اجتماعية : أخطئ معك فتسامحني ، وتعفو عني فاشعر بحسن فعلك واحمل في نفسي الامتنان والتقدير لك ويخطئ معي بعض الناس فاعفوا عنه لاني عرفت معى العفو وقيمته وهكذا تتشكل القيم على أساس الحاجات .

القيم المادية تتشكل على أساس نفسه (الحاجات) حيث أن قيمة الشي ترتفع كلما اشتدت حاجة الناس إليه ،وكلنا نعرف الحكاية المشهورة حين أتى أحد الخلفاء بكأس ماء ليشربه فقال له أحد الجالسين :يا أمير المؤمنين ! لو ظمئت واحتجت لهذا الكأس فمنعته فبكم تشتريه ؟ فقال الخليفة أشتريه بنصف ملكي .

القيم بعد هذا وذاك معايير وموازيين نحكم من خلالها على الأفعال والأذواق والمواقف والعلاقات : نحن جميعاً نعتبر بر الوالدين قيمة من القيم العظيمة فإذا رأينا من يهين أمه ويضربها نظرنا إليه باحتقار وقد نشكوه الى الشرطة وربما قاطعناه وذلك لأننا حكمنا على موقفه من أمه من خلال قيمة (بر الوالدين)،القمار قيمة سلبية فإذا رأينا من يقامر فأننا ننظر إليه بدونيه واشمئزاز وإذا خطب فتاة فأن كثيرين يمتنعون من تزويجه وذلك لأننا حكمنا على ذلك الشخص من خلال تلبسه بذلك الجرم الشنيع وهكذا ....

وهذا يعني أن تقدير الناس للقيم لا يكون ثابت على خط واحد فقد يرتفع وقد ينخفض بحسب الحاجة والظروف فالذي يتقاسم معي كأس ماء لديه ونحن في صحراء مهلكه ليس مثل الذي يقدم لي كأس ماء وأنا في المسجد ،والذي يعفو عن قاتل ابنه ليس كمثل الذي يعفو عمن وطئ رجله في مكان مزدحم .والذي يعطي والدته الفاً في الشهر ومرتبه خمسه الالف ليس كمن يعطيها الفاً ومتبه ثلاثون ألفاً وهذا بر وهذا بر لكن نسبه ما يقدمه كل منهما الى ما يستلمه من مال مختلف ولهذا فإن النظره اليهما مختلفة ولابد من القول هنا : أن الله عزوجل فطر بني أدم على طبائع موحدة ومتقاربه وجعل كثير من حاجاتهم كذلك ،كما أن تجارب الأمم أيضاً متشابهه في أمور كثيرة وقد تولد من كل ذلك عددا كبير من القيم الموحدة وهي ما نسميه بالقيم العالمية فالشجاعة والكرم والمروءة والاحسان والصبر والجمال والتعاطف والبر والاستقلال والحرية والقوة والمال والنفوذ والتواضع والحلم والتسامح كلها قيم عالمية مشتركة .

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : إذا كان الأمر كذلك فكيف تتمايز الأمم والحضارات والعائلات عن بعضها وكيف تكون عائلة أفضل أخلاقا من عائلة أخرى ؟؟؟

الجواب يتجلى في أمرين أساسيين :

الأول : الإيمان الأسرة بمبادئ وقيم لا تؤمن بها أسرة أخرى ،فالأسرة المسلمة تؤمن بالله تعالى واليوم الأخر وتحمل في نفسها مشاعر العبودية والإذعان لله تعالى ولها نظرة خاصة تجاه الطهارة والعورة والعلاقة بين الجنسين وتجاه المأكولات والمشروبات وهذا كله يؤثر في مسار حياتهم وفي موقفها على نحو بالغ وواسع وهذا واضح جدا .

ثانيا: سلم القيم ودرجه الاهتمام وهذا هو الشيء الأساسي الذي يصنع الفرق بين كثير من الأفراد والأسر والأمم فإذا كان معظم القيم مشتركة بين جميع الأمم فإن لكل فرد ولكل أسرة ولكل مجتمع ..ترتيباته الخاصة للقيم التي يؤمن بها :تناول طعام الإفطار قيمة والوصول لمكان العمل في الوقت المحدد قيمة وحين لا يمكن الجمع بينهما فإن الذي يعد تناول الإفطار قيمة أكبر فأنه سوف يفطر ولو أدى ذلك الى تاخره عن العمل والذي يرى أن الحضور الى العمل في الوقت المحدد أهم وقيمته أكبر فسوف يؤجل إفطاره .

إقتناء المال قيمة والنزاهة والكسب عن طريق مشروع قيمة أخرى فإن كانت قيمة المال أعلى عند فلان من الناس فأنه سوف يحرص على الحصول عليه ولن يبالي بطريقه كسبه أما من ينظر الى اكتساب المال من حلال على انه قيمة أعلى فأنه سوف يتحرز عن المال المحرم مهما كان الظرف وهكذا ....والقاعدة هي أن الناس يضحون بالقيم الدنيا من أجل مراعاة القيم العليا وهذا منطقي ومفهوم .الشيء الأخير الذي أود أن أشير اليه في هذا التمهيد هو ان قيم الاسرة المسلمة مستمده من عقيدتنا وأحكام شريعتها، الشريعة الغراء نصت على كثير من القيم السلبية وفي القيم الايجابية قيم عليا ودنيا.وكل ما هو مفروض وواجب وهو قيمة ايجابية عليا والقيم العليا درجات وكل ما هو مندوب ومسنون هو قيمة ايجابية دنيا وكل ماهو محرم هو قيمة سلبية عليا وكل ما هو من قبيل المكروه وخلاف الاولى هو قيمة سلبية دنيا والاسرة المسلمة تستطيع قياس درجات رقيها في كثير من امور الحياة من خلال تدرجها في الالتزام بالقيم الايجابية العليا والدنيا ومن خلال ابتعادها عن القيم السلبية العليا والدنيا ولا يخفى أن هناك قيم كثير تدخل في باب المباح وان الاسرة تمارس تجاهلها كامل حريتها وعلى سبيل المثال فأنها هي التي تحدد المدرسة المناسبة لتعليم أبنائها وهي التي تحدد وقت نوم الاطفال ووقت استيقاظهم وهي التي ترتب امور المصروف الشهري وأشياء كثيرة جدا من هذا القبيل .أنا لا أستطيع هنا التحدث عن كل القيم الايجابية والسلبية التي على الاسرة الانتباه اليها والاهتمام بها فهذا حديث يطول ومن ثم فإنني سأركز على القيم التسع الاتية وهي :

1. ننوي الخير ونحرص على نقاء سرائرنا

2. التطوع وهو مصدر رفاهيتنا الروحية

3. المروءة وسمو الذات

4. نتحرى الصدق في كلامنا

5. نحرص على الكسب المشروع

6. لا نساوم على مبادئنا ولا على كرامتنا

7. لا نصبر على الظلم

8. نحترم النظام

9. نرتقي بلغتنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق